الوعي المناسب

لا تحل مشكلة امتلاك الأخلاق المطلوبة بمجرد تعداد هذه الأخلاق أو حتى ذكر نماذج من أناس امتلكوها أمن السلف الصالح كانوا أم من جيلنا (كما يفعل عادة الدعاة في محطات التلفاز العربية منذ عقود)، ومن المعلوم أن المستمعين إلى سيرة عنترة لم يتحولوا في الغالب إلى ممارسة الأخلاق البطولية التي كانوا معجبين بها ومؤمنين بأفضليتها!

الاقتناع بأهمية إجراء تغيير في الشخصية يقود إلى امتلاك أخلاق جديدة (بمعنى أنها نوع جديد من ممارسة أخلاق كان الفرد سابقاً يمارس غيرها حتى لو أقر نظرياً بصحتها) هو بحد ذاته مهم، لكنه غير كاف. لإجراء هذا التغيير يلزم تحليل العوامل التي تقاوم هذا التغيير من داخلنا. التغيير غير ممكن إن لم نكن على بصيرة تامة بهذه العوامل التي تقاوم التغيير، وبتعبير البصيرة التامة لا أعني معرفة خارجية تطال الذاكرة دون العواطف والانفعالات، بل أعني تجربة واعية – عاطفية – انفعالية تجعلنا بكل عقلنا ونفسيتنا نفهم المشكلة ونستبطنها. والتخلص منها هو تجربة واعية أيضاً تتضمن استبدال استجابات عاطفية وانفعالية على مثيرات محددة بأخرى، والنتيجة المطلوبة هي تكوين طبع جديد للإنسان يجعله مناسباً لمهمة بناء الإنسان النموذجي الذي يصلح أن يكون قدوة لغيره وبانياً لنماذج جديدة من السلوك هي بحد ذاتها جديدة في مدى اتساعها وفي أنها نتجت عن تغيير ذاتي واع، وليست جديدة بمعنى أنها استحداث من العدم، أولاً لأنها مبنية على إمكانية كامنة تحدثت عنها قبل قليل، وثانياً لأن ثمة أفراداً في المجتمع يسلكون هذا السلوك بالفعل بصورة تلقائية، إذ من المعلوم أن السلوك الأخلاقي موجود بنسب متفاوتة تتراوح بين السلوك المثالي و السلوك غير المناسب بدرجاته المتفاوتة في بعدها عن النموذج الأعلى للسلوك المناسب.