القيم الإنسانية بين التشريع الإلهي وقوانين حقوق الإنسان

لقد ظلَّ العالم الغربيُّ يردِّد أنه هو مَن الْتَفَتَ إلى أهمية القيم الإنسانية، ودعى إلى الحفاظ على حقوق الإنسان؛ وذلك منذ نشأة النـزعة الإنسانية في القرن السادس عشر عند أراسموس، وفي القرن السابع عشر حينما قال كانط() بأنَّ الإنسان مركز الكون، وجعل الإنسانَ وكرامتَه مبدأً لفلسفته العلمية، وحينما أصدرت انجلترا (وثيقة الحقوق) عام 1689م، وفي القرن الثامن عشر في بداية عصر التنوير أصدرت الجمعية التأسيسية الفرنسية وثيقة (حقوق الإنسان والمواطن) عام 1789م؛ ومن هنا كان أول ظهورٍ لمصطلح حقوق الإنسان، وفي عام 1918م أصدر الاتحاد السوفيتي ما يسمى (بإعلان الحقوق).

ولعلَّ ذلك ما جعل هذا مصطلح حقوق الإنسان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسة إلى يومنا هذا، وكذلك بالمطالب الرئيسية التي أُسِّس لها بعد ذلك في قوانين حقوق الإنسان الدولية، والتي ضمَّت العديد من الحقوق نذكر أهمها:

حق الكرامة الإنسانية، حق الحياة، حق الحرية، حق المساواه، حق العدالة والحكم العادل، حق السلامة الشخصية، حق الحماية من الظلم، حق حماية الشرف والسمعة، حق اللجوء، حق الأقليات، حق المشاركة الاجتماعية، حق حرية الفكر والتعبير، وحق اختيار الدين، إلى ما تبقى من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

كلُّ ذلك كان تمهيدًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948م، والذي اعتُبر أحدَ أهم المنجزات الحضارية الإنسانية التي أنتجها العالم الغربي، وبقيت من مفاخره حتى الآن.

وكان من المفترض كلَّما كانت البشرية أكثرَ تحضُّرًا وتقدُّمًا، كلَّما  أصبح الإنسان في حياته كريمًا مصونًا آمنًا معافى، لكن- وللأسف- الواقع لا يشهد بذلك؛ فبالرغم من أنَّ الإنسان في العصر الحديث قد استطاع أن يوفِّر لنفسه كلَّ حاجاته المادية، لكنه مع هذا لم يقضِ على الفقر والجهل والمرض، ومع ما وضعه من قوانين ومواثيق دولية، لكنَّه لم يمنع الجريمة والإرهاب والحروب؛ وهذايؤكِّد لنا أنَّ ما يعانيه العالم اليوم من صراعات، وما يواجهه الإنسان من أزمات، ليس مرجعها لنقصٍ في قدرته العقلية أو المادية؛ وإنما هي نتيجة لخلل في منظومة قيمه الإنسانية.

ولعلَّنا لو تأملنا في القيم الإنسانية التي جاءت نِتاجٍ للعقل البشري في كلِّ ما سبق من قوانينَ ووثائق حقوق الإنسان؛ لوجدنا أنَّ الشرائع السماوية التي جاء بها الأنبياء كان لها السَّبقُ والريادة في الإقرار بتلك الحقوق والحرص عليها، وذلك من خلال القيم والوصايا التي دعت إليها الأديان، إمَّا بنصٍ مُنشأ لتلك الحقوق ومُؤسِّسٍ لها، أو داعٍ إليها، أو مؤكِّدٍ على ضرورة التمسُّك بها، ولا يتعارض ذلك مع العقل الإنساني ونِتاج تفكيره الصائب، وإنما شذ ذلك العقل حينما اتكأ فقط على اجتهاده، وتحليلة لكيفية تحقيق وتفعيل تلك القيم الإنسانية؛ وإلا فإننا نجد تطابقًا تامًّا بما جاءت به تعاليم الأديان السماوية، وما دعى إليه أصحاب الديانات الوضعية حتى، أو النظريات الفلسفية الإصلاحية، أعني هذا من جهة الإقرار والاتفاق على تلك القيم، وليس من جهة تفعيلها، أو وسائل إيجادها بالمجتمعات، ولعلَّ هذا ما جعل العديد من فلاسفة الغرب يعترفون بهذه الحقيقة، ونستشهد هنا بقول الفيلسوف الألماني (هابرماس) في رؤيته للمجتمعات ما بعد العلمانية، يقول:

«إنَّه لم يعد من الممكن إقصاء الدين من الحوار العام حول القيم المدنية الضابطة للشأن الاجتماعي، بعد أن تزايدت الحاجة إلى تدعيم السياج المعياري الهش لديمقراطية تعدُّدية لا تستند في بنائها الشرعي إلا على نظريةٍ إجرائية للعدالة لا يمكن أن تقدِّم الإجابات الجوهرية على الإشكالات الوجودية الكبرى للإنسان المعاصر. ومن الطبيعي أن عودة الدين هنا لا تعني رجوع الدور القديم للمؤسسات الدينية في الشأن الاجتماعي- السياسي، وإنما انفتاح ميدان الحوار العام على الآراء والقيم الدينية في سياق مَسلكٍ برهانيٍّ مفتوحٍ بدون سقفٍ عَقديٍّ أو معياريٍّ مُسبَق».

إننا قد نرى أنه يوجد ثَمة تطابقٌ بين النظرة الغربية الآنيِّة لقوانين حقوق الإنسان، وبين الأسس الفلسفية اليونانية حتى ما قبل زمن سقراط، إذ إن الاثنين يجعلان من الإنسان محورًا لتلك القيم، ومُوجِّهًا لتحديدها، وهدفًا ونتيجةً لفرضية العمل بها، ولكننا نجد فيما جاءت به الأديان السماوية توجُهًا عكسيًّا تماما لذلك، وإن كانت لا تنفي مكانة الإنسان وحقوقه القيمية؛ إلا أنها تجعل من الله المحور الأساسي لكافة التوجهات الإنسانية حياتيًّا وفكريًّا وعمليًّا.

إنَّ الأديان السماوية في أصولها الثابتة تضم جميع الشرائع الأخلاقية التي تحوي في جوهرها القيم الإنسانية التي تعارفت عليها البشرية، واتفقت على أهميتها القصوى في حياة الإنسان، بل إن الدين لا يقدِّم فقط طرحًا لمفاهيم القيم الإنسانية، ولا حتى تطبيقًا لها فحسب؛ وإنما يقدِّم لنا تصوُّرًا إلهيًّا كاملا وشاملا وواعٍ من حكيمٍ عليمٍ خبير، يتخطَّى حدود الزمان والمكان والفردية، ليقدِّم لنا تحليلا أكثر عمقًا، وأوسع نطاقًا من حيث كونها قيمًا تخصُّ الإنسان لكونه إنسانًا اختصه الله تبارك وتعالى دون خلقه بأن كرَّمه وشرَّفه وأحسن خَلقه، بل بيَّن محبَته له، وقربَه منه؛ فسخَّر له كونَه كلَّه، وجعله خليفته في أرضه، وأرسل له أنبياءه ورسله، فللإنسان عند الله شأن، ولسائر المخلوقات شأنٌ آخر،

«فالعامل الديني، وإن كان يدخل في اعتبار الشارع، سواء لوضع قاعدة تنظيمية لجانب من جوانب السلوك الإنساني، أو لتوفير ضمانٍ قويٍّ لفاعلية الحكم، أو لتبرير منحى لا يمكن للعقل الحسم فيه؛ إلا أنه في كلِّ الأحوال لا يلتبس ما هو ديني مع ما هو أخلاقي، ولا يتبع أحدهما الآخر أو يحدده»،

ولذلك وجدنا أن  تلك القيم الإنسانية ترتكز في أساسها على المحبة والرحمة الإلهية بهذا المخلوق المكرَّم الذي وضع له خالقه قانونًا مُحكمًا كاملا، لا يَعوزُه ذلك الخللُ الموجود في مناهج البشر، ولا تنقُصه تلك الأُطر النظرية للقوانين الوضعية التي قد يصعب تطبيقها في بعض الأحيان على أرض الواقع أو في بعض المجتمعات، وحينما تأتي القيم الإنسانية من تشريعٍ إلهيٍّ له صفة التدبير والحكمة، والرعاية والإحاطة، وكذلك المحبة للإنسان، ويُحاط ذلك التشريعُ بمبدأ الثواب والعقاب؛ فلا شك أنه يتقدَّم عمَّا استقرَّ عليه علماء الأخلاق، وأُولو الفكر والنظر؛ إذ إنها تتعدَّى حدود الاختيار الإنساني إلى الرغبة في الفعل والرهبة من الترك، فتأخذ تلك القيم الإنسانية قداستَها من قداسة الآمر بها والداعي إليها، بالإضافة لذلك فإنَّ القيم الإنسانية في الأديان السماوية تتميزُ عنها في مواثيق حقوق الإنسان الدولية، أنها لم تغفل أبدًا الجانب الرُّوحيَّ كما لم تغفل كذلك الجانب الماديَّ لمتطلبات الإنسان، وبصورةٍ متوازية، وهي في ذلك تؤسِّس لصورةٍ متكاملةٍ لحقوق الإنسان وقيمته الوجودية.

وهنا قد يتساءل البعض عن دور الحضارة الغربية الحديثة بمنظوماتها القيمية العلمانية التي جاءت بها على مدار القرون الأربع الأخيرة، والنظريات الأخلاقية التي بدأت مع عهد الإصلاح الديني ومناهضة السلطة الدينية، وفي مقابل ذلك ما شهدته المجتمعات العربية الإسلامية من تنامي ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني القائم على الأفكار الدينية المتعصبة، والدعوة لكراهية الآخر.

تلك الصورتان المتضادتان هما في حقيقة الأمر نموذجٌ سلبيٌّ لما نَتج عن البعد عن القيم الإنسانية الثابتة في التعاليم الدينية وأصول الشرائع السماوية، سواء جاء ذلك من رجال دينٍ مُتطرِّفين اتخذوا من سلطتهم الدينية مَدخلا لترويج أفكارٍ فاسدة، وتدعيم توجُّهاتٍ ضالةٍ لا تَمُتُّ لأصل الدين بصلة، أو جاء ذلك من مفكرين ارتأوا رفض الدين بالكلية، ومواجهته، أو قَصره على علاقة الإنسان بإلهه الذي يعبده، أيا كان هذا الإله، ودعت للفصل بين الدين وبين كافة جوانب الحياة المدنية الأخرى.

والرأي أن مثل هذين النموذجين لم تأت أفكارهما بخير على الإنسانية، والواقع يشهد بذلك.