العدالة وحرية التعبير.. خطوات الوصول للسلم الأهلي في المجتمع

إن قضية السلم الاجتماعي ليست قضية ترف اجتماعي، بل هي مسألة ترتبط أساساً بالضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية وجميع الشرائع الإسلامية لتحقيقها، قال الإمام الشاطبي رحمه الله: ومجموع الضرورات خمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في ملة. يمكننا أن نعرف السلم الاجتماعي بأنه: توافر الاستقرار والأمن والعدل الكافل لحقوق الأفراد في مجتمعٍ أو بين مجتمعات أو دول.

فالسلم الاجتماعي إذن هو حالة السلم والوئام داخل المجتمع نفسه، وفي العلاقة بين شرائحه وقواه. وعليه فإن صفاء أجواء المجتمع من العدوات والصراعات يجعله مهيئاً للتعاون والانطلاق ويحفظ قوته من الهدر والضياع، وهذا لن يتحقق السلم الاجتماعي بين جميع قواه ابتداء من الدولة وانتهاء بالفرد حتى يعم التسامح والودّ بينهما، وإلا أصبح الاقتتال شعاراً تتبناه الدولة مما يؤدي بهما إلى إحداث انفصال في منظوماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما يهدد الوحدة الداخلية بالخطر. فأبجديات السلم الأهلي حتى نحقق سلماً أهلياً داخل أي مجتمعٍ من المجتمعات لابد أن تكون من الآتي:

الإدارة السلمية للتعددية:

كما تعرفون أن المجتمعات لا تسير على خطٍ متوازٍ، وهذا يعود إلى طبيعة المجتمعات وبنائها الداخلي أي التركيبة التي تنبثق منها، فهناك مجتمعات ذو تعددية آثنية ومذهبية، مما ينعكس بشكلٍ مباشر على مسيرة تقدمها الاجتماعية والفكرية والثقافية، وكذلك على مسيرة بقائها وديمومتها. فعندما نتحدث عن التعددية في هذا النطاق، نتحدث عن البيئة الأساسية للتعددية أيّ عن الركائز العملية لممارسة التعددية، كطبيعة النظام السياسي القائم وأيديولوجيته، وقدرته على ممارسة التعددية كمفهوم واقعي وليس كجزئية مفروضة يتم التعامل معها في ظروف آنية وسرعان ما تتلاشى ولم تستطع بمقدور تلك المجتمعات إحداث أيّ تقدم في عجلة مسيرة حياتها بأكملها.

علينا إلا ننسى أن التعددية لا تقتصر فقط على مفهوم الممارسة بل تحتاج إلى وجود أطر دستورية قانونية تهيئ المناخ لوجود التنوع المؤسسي والتنظيمي داخل المنظومة السياسية الناشئة

فضلاً عن التنوع البشري داخل المجتمعات، وكما هو معلوم لديكم أن المجتمعات بأسرها يوجد بداخلها تنوع من كافة الأطياف والأجناس، فمنها ينحدر من أصولٍ عرقية، ومنها من أصولٍ ثقافية، واجتماعية، ومدى وعي النظام السياسي بتلك الأقليات واحترامه لها، مدى تقدم تلك المجتمعات وريادتها، فالمسألة مترابطة ولا يمكن تجزئتها أو انفصالها، والمجتمعات التي لا تؤمن بالحوار والتعايش السلمي فيما بينهما على أساس الإيمان بأحقية البقاء ستستمر تلك المجتمعات بالتقاتل، ويدبّ الصراع فيما بينهما وعندئذ لا تقوى على تقديم أي رؤية أو برنامج لنهضة مجتمعها من الداخل.

في هذا الإطار علينا إلا ننسى أن التعددية لا تقتصر فقط على مفهوم الممارسة بل تحتاج إلى وجود أطر دستورية قانونية تهيئ المناخ لوجود التنوع المؤسسي والتنظيمي داخل المنظومة السياسية الناشئة، بل توثق مبدأ الفصل بين السلطات، وتكفل المساواة، وحرية التعبير للمواطنين كافة من دون تمييز والاستجابة للأعراف والمواثيق الدولية الخاصة باحترام كرامة أبناء المجتمع، مع مراعاة أن تجري هذه الترتيبات كلها بطرق سلمية تتحلق حولها جميع القوى السياسية وغير السياسية في المجتمع.

من ناحية أخرى قد تتوافر الدعامات الديمقراطية لنجاح مسار التعددية بكل مكوناتها، لكن في المقابل قد لا تنجح عملياً على أرض الواقع نتيجة التمسك بالموروثات التقليدية القديمة مثل العائلة، والقبلية، وغيرها مما ينتج عنه في غالبية الأحيان صراع محتدم بين كافة أفراد المجتمعات ينتهي بإنفصال تدريجي لذاك المجتمع أو غيره، والسبب ليس في قلة الوعي السائدة لدى النخبة السياسية بل نتيجة غياب الوعي بمفهوم الممارسة والتداول السلمي للسلطة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن القبلية متأصلة في مجتمعاتنا ونمت وأصبح لها جذور راسخة، وقد يصعب استئصالها، أو ووضع آليات جديدة للحكم السياسي بديلاً عنها.