حقوق الأقليات في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان

يفتقر القانون الدولي إلى تعريف واضح ومتفق عليه لمصطلح «الأقلية» وذلك على الرغم من الجهود الحثيثة المبذولة من طرف خبراء حقوقيين وقانونيين. ومع ذلك يمكن بشكل عام أن نطلق هذ المصطلح على مجموعة من الأشخاص في وضع عددي أو سياسي غير مهيمن في دولة ما، تجمع بينهم صفات مشتركة، سواء أكانت لغوية أو عرقية أو اجتماعية أو ثقافية، إلخ. وعلى الرغم من هذا النقص الذي لا يحفّز الدول على الاعتراف بأقلياتها، فقد شهدت العقود الماضية نشاطا ملحوظاً من الأمم المتحدة تخلله تبني العديد من الصكوك الدولية ذات الصلة الوثيقة بحقوق الأقليات ولاسيما الدينية والأثنية. ويمكن التمييز من بين هذه الصكوك بين معاهدات ذات قوة قانونية ملزمة للدول المصادقة عليها وإعلانات لا تنضوي على أية قوة قانونية.

لا يشير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى مصطلح الأقلية بشكل صريح[1]، غير أن مواده الثلاثين تتضمن العديد من البنود ذات الصلة المباشرة بحقوق الأقليات ولاسيما الحرية الدينية والمساواة. فقد أكدت مادته الأولى على أن «يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق». وجاء في المادة السابعة «كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعا الحق في حماية متساوية ضد أي تميز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا». وأكدّت المادة 18 بأنّ «لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته «. وتجدر الإشارة لما للاعتراف بحق تغيير الدين من أهمية، وخاصة في الدول ذات الثقافة الإسلامية التي لاتزال تشريعاتها تفرض تقييدات كثيرة في هذا الإطار.

أمّا الإعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية الذي تم اعتماده في 1992 يعتبر الصك الدولي الوحيد الذي يختص بشكل حصري بحقوق الأقليات[2]. وقد استند هذا الإعلان في صياغته بشكل أساسي إلى المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمتعلقة بحقوق الأقليات. وتمتاز مواده التسعة بجرأتها من ناحية فرضها التزامات على عاتق الدول من أجل ضمان احترام حقوق الأقليات، من الناحية الأولى، وكذلك الاعتراف بالهوية الجمعية للأقليات وليس فقط بالحقوق الفردية للأشخاص المنتمين إليها. فنقرأ في المادة الأولى من الإعلان بأنّه: «على الدول أن تقوم، كل في إقليمها، بحماية وجود الأقليات وهويتها القومية أو الإثنية، وهويتها الثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية». مع اعتماد الدول التدابير التشريعية الملائمة لتحقيق تلك الغايات». ولم يغفل الإعلان عن تطرقه إلى أهمية الحفاظ على سلامة أراضي الدول وخاصة في مادته الثامنة التي تنص بأنه «لا يجوز بأي حال تفسير أي جزء من هذا الإعلان على أنه يسمح بأي نشاط يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول، وسلامتها الإقليمية، واستقلالها السياسي».

صحيح أنّه ليس للإعلانات الدولية لحقوق الانسان أية قوة قانونية ملزمة للدول وذلك على عكس الاتفاقيات الدولية، إلى أنه لا يجوز التقليل من أهميتها وخاصة من الناحية المعنوية، ولا سيما ترسيخ الأرضية التي تُبنى عليها لاحقاً الاتفاقيات الدولية. وغالباً ما تتقدم الحقوق المنصوص عليها في هذه الإعلانات مقارنةً مع مضمون الاتفاقيات التي تتشدد الدول في صياغتها كما سنبينه أدناه.

فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية، فيعتبر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من أبرز الاتفاقيات ذات الصلة بحقوق الأقليات. الذي تمّ اعتماده في 1966 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتقرّ المادة الأولى من العهد بحق جميع الشعوب بتقرير مصيرها بنفسها، كما تفرض على الدول الأطراف بأن «تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق، وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة». وبينما يرى البعض بأن تقرير المصير المنصوص عليه بهذه المادة يشمل الأقليات ليحق لها المطالبة بالانفصال في حال انتهاك الدول لحقوقها على نطاق واسع، يعتقد آخرون بأنّ الانفصال أو الاستقلال لا يعني إلا الأقليات أو الشعوب التي ترزح تحت نير الاحتلال أو الانتداب.

أمّا المادة 27 فتشكل سابقة في صكوك الأمم المتحدة من حيث اعترافها بالوجود القانوني للأقليات حيث جاء فيها «لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات أثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.» ويبدو أنّ هذه المادة قد تجاوزت الإرادات السياسية للعديد من الدول التي كانت قد نجحت أثناء صياغة الإعلان العالمي بعدم النصّ بتاتاً على مصطلح الأقلية أو حتى حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات.

وعلى الرغم من هذا التقدم تبقى صياغة بعض بنود العهد متراجعة مقارنة مع الإعلان العالمي لحقوق الانسان، وخاصة فيما يتعلق بالحقوق المنبثقة عن الحرية الدينية. فبينما تنصّ المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الحق في تغيير الديانة، فإنّ المادة 18 من العهد تخلو من نصّ مشابه وتكتفي بإدراج بند حول حرية الإنسان «في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره».

وعلى الرغم من عدم الصراحة في هذه العبارة المذكورة، فإننا نعتقد بأن حق اختيار الدين يشتمل بالضرورة على حرية الإنسان بتغيير دينه. وتجدر الإشارة بأن هذا التراجع في صياغة مادة العهد، وخاصة حذف النص الصريح المتعلق بتغيير الدين، قد جاء نتيجة للضغوط الشديدة الممارسة من طرف بعض الدول ذات الثقافة الإسلامية التي لاتزال حتى يومنا هذا تفرض العديد من القيود على تغيير الدين.

كما العهد المذكور أعلاه، فقد اُعتمد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966 ودخل حيز التنفيذ بعد عشر سنوات. ويتضمن هذا العهد بنود عديدة لنبذ التمييز وخاصة منه ما جاء في المادة الثانية التي تفرض على الدول الأطراف بأن تتعهد بضمان «جعل ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا العهد بريئة من أي تمييز». وتتعلق المادة 13 بحق كل شخص في التربية والتعليم بما يكفل «توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية»، وكذلك «توثيق أواصر التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم ومختلف الفئات السلالية أو الأثنية أو الدينية». تبدو أهمية إعمال هذا النصّ خاصة في المنطقة العربية التي تتحمّل أنظمتها التعليمية مسؤولية العديد من الانتهاكات المختلفة التي تتعرض إليها الأقليات نظراً لتكريس ثقافة التعميم والتمييز وعدم تقبل الآخر.

على الرغم من الجهود الحثيثة التي أسهمت في تطوير حماية حقوق الأقليات في القانون الدولي، فإنّ هذا الأخير لايزال قاصراً. فلابدّ من تقنين التشريعات الدولية بصرف النظر عن الاعتبارات السياسة والأيدولوجية والدينية للدول الأطراف، وكذلك اعتماد اتفاقية دولية ذات قوة قانونية تتعلق بالأقليات حصراً وتأمين آليات أكثر فعّالية من أجل ضمان احترام الدول لتعهداتها. هذا وتجدر الإشارة أخيراً ما لغياب الديمقراطية وانتشار النزاعات المسلحة والحروب الأهلية واستخدام الأنظمة الاستبدادية وحتى القوى الاستعمارية لورقة الأقليات بما يؤدي إلى خدمة مصالحها السياسية من دور في تأزّم قضايا الأقليات كما هو الحال في المنطقة العربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كانت الفكرة السائدة بأنّ إعمال حقوق الإنسان بشكل عام وخاصة مبدأ المساواة كفيل بتحقيق حقوق الأشخاص المنتمين إلى الأقليات وبالتالي اندماجهم بمجتمعاتهم. إلا أنّ هذه الفكرة المغلوطة سرعان ما تمّ تجاوزها أثناء صياغة بنود العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وبخاصة من خلال نصّ المادة 27 المشار إليها أدناه.

 

[2] أنظر أدناه.